محمد بن جرير الطبري

192

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمُ . . . وَالطَّيِّبَانِ أَبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ ( 1 ) فجازَ ذلك ، إذْ كان قد تقدَّم الجحدُ في أوّل الكلام . قال أبو جعفر : وهذا القولُ الآخر أولى بالصواب من الأول ، إذ كان غيرَ موجودٍ في كلام العرب ابتداءُ الكلام من غير جحد تقدَّمه ب‍ " لا " التي معناها الحذف ، ولا جائزٍ العطفُ بها على " سوى " ، ولا على حرف الاستثناء . وإنما لِ " غير " في كلام العرب معان ثلاثة : أحدها الاستثناء ، والآخر الجحد ، والثالث سوى . فإذا ثبت خطأ " لا " أن يكون بمعنى الإلغاء مُبتدأ ( 2 ) ، وفسدَ أن يكون عطفًا على " غير " التي مع " المغضوب عليهم " ، لو كانت بمعنى " إلا " التي هي استثناء ، ولم يَجز أيضًا أن يكون عطفًا عليها لو كانت بمعنى " سوى " ، وكانت " لا " موجودة عطفًا بالواو التي هي عاطفة لها على ما قَبلها - صحَّ ( 3 ) وثبت أن لا وجهَ ل‍ " غير " ، التي مع " المغضوب عليهم " ، يجوز توجيهها إليه على صحَّة إلا بمعنى الجحد والنفي ، وأن لا وَجه لقوله : " ولا الضالين " ، إلا العطف على " غير المغضوب عليهم " . فتأويلُ الكلام إذًا - إذْ كان صحيحًا ما قلنا بالذي عليه استشهدنا - اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، لا المغضوب عليهم ولا الضالين . فإن قال لنا قائل : ومَن هؤلاء الضَّالُّون الذين أمرنا اللهُ بالاستعاذة بالله أن يَسْلُكَ بنا سبيلهم ، أو نَضِلَّ ضلالهم ؟ قيل : هم الذين وصَفهم الله في تنزيله فقال : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا

--> ( 1 ) الشعر لجرير يهجو الأخطل ، ديوانه 263 ، ونقائض جرير والأخطل : 174 ، وأضداد ابن الأنباري : 186 ، ثم تفسير آية سورة البقرة : 158 . ( 2 ) في المخطوطة : " فإذا ثبت خط أن لا يكون بمعنى الإلغاء " غير منقوطة ، ولم يحسن طابعو المطبوعة قراءتها فجعلوها : " فإذا بطل حظ لا أن تكون بمعنى الإلغاء " . وقد صححنا ما في المخطوطة من تقديم " لا " على " يكون " . ( 3 ) جواب قوله " فإذا ثبت خطأ . . . " .